الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

259

تفسير روح البيان

ان الاستفهام على اللّه محال فلا بد من حمله على الخبر تقول هل وعظتك ومقصودك أن تحمله على الإقرار بأنك قد وعظته وقد يجيئ بمعنى الجحد تقول وهل يقدر أحد على مثل هذا فتحمله على أن يقول لا يقدر أحد غيرك عَلَى الْإِنْسانِ قبل زمان قريب المراد جنس الإنسان لقوله من نطفة لان آدم لم يخلق منها ثم المراد بالجنس بنوا آدم أو ما يعمه وبنيه على التغليب أو نسبة حال البعض إلى الكل للملابسة على المجاز حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ الحين زمان مطلق ووقت مبهم يصلح لجميع الأزمان طال أو قصر وفي المفردات الحين وقت بلوغ الشيء وحصوله وهو مبهم ويتخصص بالمضاف اليه نحو ولات حين مناص ومن قال حين على أوجه للأجل والمنية وللساعة وللزمان المطلق انما فسر ذلك بحسب ما وجده قد علق به والدهر الزمان الطويل والمعنى طائفة محدودة كائنه من الزمن الممتد وهي مدة لبثه في بطن أمه تسعة أشهر أو بأن صار شيأ مذكورا على ما ذهب اليه ابن عباس رضى اللّه عنهما لَمْ يَكُنْ فيه فالجملة صفة أخرى لحين بحذف الضمير شَيْئاً مَذْكُوراً بل كان شيأ منسيا غير مذكور بالانسانية أصلا نطفة في الأصلاب فما بين كونه نطفة وكونه شيأ مذكورا بالانسانية مقدار محدود من الزمان وتقدم عالم الأرواح لا يوجب كونه شيأ مذكورا عند الخلق ما لم يتعلق بالبدن ولم يخرج إلى عالم الأجسام ( روى ) ان الصديق أو عمر رضى اللّه عنهما كما في عين المعاني لما سمع رجلا يقرأ هذه الآية بكى وقال ليتها تمت فلا شئ أراد ليت تلك تمت وهي كونه شيأ غير مذكور ولم يخلق ولم يكلف ومعنى الاستفهام التقريرى في الآية أن يحمل من ينكر البعث على الإقرار بأنه نعم أتى عليه في زمان قريب من زمان الحال حين من الدهر لم يكن فيه شيأ مذكورا فيقال له من أحدثه بعد أن لم يكن كيف يمتنع عليه بعثه وإحياؤه بعد موته وقال القاشاني اى كان شيأ في علم اللّه بل في نفس الأمر لقدم روحه ولكنه لم يذكر فيما بين الناس لكونه في عالم الغيب وعدم شعور من في عالم الشهادة به وفي التأويلات النجمية اعلم أن للانسان صورة علمية غيبية وصورة عينية شهادية وهو من حيث كلتا الصورتين مذكور عند اللّه أزلا وابدا لا يعزب عن علمه مثقال ذرة لعلمه الأزلي الأبدي بالأشياء قبل إيجاد الأشياء وقبل وجودها خلق الخلق وهم معدومون في كتم العدم وعلمه بنفسه يستلزم علمه بأعيان الأشياء لان الأشياء مظاهر أسمائه وصفاته وهي عين ذاته فافهم اى ما أتى على الإنسان حين من الأحيان وهو كان منسيا فيه بالنسبة إلى الحق وكيف وهو مخلوق على صورته وصورته حاضرة له مشهودة عنده وهل للاستفهام الإنكاري بخلاف المحجوبين عن علم المعرفة والحكمة الإلهية وقال جعفر الصادق رضى اللّه عنه هل أتى عليك يا انسان وقت لم يكن اللّه ذاكرا لك فيه إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ اى خلقناه يعنى جسمه والإظهار لزيادة التقرير مِنْ نُطْفَةٍ حتى كان علقة في أربعين يوما ومضغة في ثمانين ومنفوخا فيه الروح في مائة وعشرين يوما كما كان أبوهم آدم خلق من طين فألقى بين مكة والطائف فأقام أربعين سنة ثم من حمأمسنون فأقام أربعين سنة أخرى ثم من صلصال فأقام أربعين سنة أخرى فتم خلقه في مائة وعشرين سنة فنفخ فيه الروح على ما جاء في رواية الضحاك عن ابن عباس رضى اللّه عنهما فما كان